ابن عجيبة
123
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وكيف تطمعون أيضا في إيمانهم وهم منافقون ؟ إِذا لَقُوا المؤمنين قالُوا آمَنَّا ، وصفة نبيكم مذكورة في كتابنا ، وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ لامهم من لم ينافق ، و قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ من علم التوراة فتطلعونهم عليه لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ أي : يغلبوكم بالحجة عِنْدَ رَبِّكُمْ في الدنيا والآخرة ، فيقولون : كنتم عالمين بنبوة نبينا فجحدتم وعاندتم ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ حتى تطلعوهم على ما فتح اللّه به عليكم . أو يقول الحق تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ يا معشر المسلمين فتطمعون في إيمانهم بعد هذه الخصال التي فيهم ، قال الحق جل جلاله : أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لا يخفى عليه شئ ، بل يَعْلَمُ ما يسرونه وما يعلنونه ، فيجازيهم على ما أخفوا وما أعلنوا . الإشارة : من سبقت له المشيئة بالخذلان ، وحكم عليه القدر والقضاء بالحرمان ، يرجع إلى الدليل والبرهان ، بعد الاستشراف على الشهود والعيان ، فيرجع إلى مشاهدة الآثار والرسوم ، وينسى ما كان يعهده من دقائق العلوم ، سبب ذلك كلّه : الإخلال بالأدب مع المشايخ والأصحاب ، أو مفارقة الإخوان ، وعدم مواصلة أهل العرفان ، وضم إلى ذلك الإنكار على أولياء اللّه ، وتحريف ما سمعه منهم من مواهب اللّه ، فلا مطمع في رجوعه وإيابه ، وقد بعد من الفتح وأسبابه ، لا سيما إذا اتصف بالنفاق ، إذا لقى أهل النسبة أظهر الوفاق ، وإذا خلا إلى العامة أظهر الشقاق ، فمثل هذا لا يرجى له فلاح ، ولا يسعد بصلاح ونجاح . نعوذ باللّه من ذلك . ولمّا ذكر الحق تعالى رؤساء اليهود أتبعهم بذكر أتباعهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 78 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) قلت : أماني : جمع أمنية ، وهي في الأصل : ما يقدرّه الإنسان في نفسه من منى إذا قدّر ، ولذلك تطلق على الكذب ، وعلى ما يتمنى وما يقرأ « 1 » ، قاله البيضاوي . والاستثناء منقطع ، أي : لكن أكاذيب ، ويقال : تمنى الرجل ، إذا كذب واختلق الحديث ، ومنه قول عثمان رضى اللّه عنه : ( واللّه ما تمنّيت ولا تغنّيت منذ أسلمت ) . يقول الحق جل جلاله : وَمِنْهُمْ أي : من اليهود عوام أُمِّيُّونَ لا يقرءون الكتاب ولا يفهمونه ، لكن يسمعون من أحبارهم أَمانِيَّ كاذبة ، وأشياء يظنونها من الكتاب ، ولا علم لهم بصحتها ، كتغيير صفته صلّى اللّه عليه وسلّم
--> ( 1 ) لأن القارئ يتصور ويقدر أن كلمة كذا بعد كذا .